•°•¤ الطَّريقُ واحِدٌ

° قالَ الإمامُ ابن قيِّم الجوزيَّة (ت: 751هـ) ـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَىٰ ـ: «المقصود أنَّ طريق الحقِّ واحدٌ: إذْ مردَّه إلى الله الملك الحقِّ، وطُرق الباطل مُتشعِّبة مُتعدِّدة، فإنَّها لا ترجع إلىٰ شيءٍ موجود، ولا غاية لها يوصَّل إليها، بل هي بمنزلة بُنيَّات الطَّريق، وطريقُ الحقِّ بمنزلة الطَّريق الموصَّل إلى المقصود، فهي وإنْ تنوَّعت فأصلها طريقٌ واحدٌ».اهـ. ([«بدائع الفوائد» (1/127)])

الخميس، مارس 29، 2012

شرح حديث: « الأرواحُ جنودٌ مجنَّدةٌ »


شرح حديث: 
«الأرواحُ جنودٌ مجنَّدةٌ»




عَنْ أمِّ المُؤمِنينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قالَ رسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ)). (رواه أحمد، والبُخاري، ومسلم، والتِّرمذي، وابن حبّان).

الشَّرح:

قالَ الحافظ يحيىٰ بن شرف النَّوويُّ (ت: 676هـ) رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَىٰ: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ)).

قالَ العُلماء:

معناهُ: جموعٌ مجتمعةٌ، أوْ أنواعٌ مختلفةٌ، وأمَّا تعارفها فهو لأمرٍ جعلها الله عليه.

وقيلَ: أنَّها موافقة صفاتها الَّتي جعلها الله عليها وتُناسبها في شيَّمها.

وقيلَ: لأنَّها خُلقت مجتمعةً ثمَّ فُرّقت في أجسادها، فمَنْ وافقَ بشيمه ألَّفهُ، ومَنْ باعدهُ نافرهُ وخالفهُ.
وقالَ الخطَّابيُّ وغيره: تآلفها هُوَ ما خلقها الله عليه مِنَ السَّعادة أو الشَّقاوة في المبتدأ، وكانت الأرواح قسميْن متقابليْن: فإذا تلاقت الأجساد في الدُّنيا اِئْتلفت واخْتلفت بحسب ما خُلقت عليه، فيميل الأخيار إلى الأخيار، والأشرار إلى الأشرار. واللهُ أعْلَمُ.اهـ.

([«شرح النَّوويِّ على "صحيح مسلم"» / (16/185)])


وقال الحافظ ابن حجر العسقلانيُّ (ت: 852هـ) رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: في "فتح الباري": «بابُ الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ»: قَالَ اللَّيْثُ: عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ)).
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ بِهَذَا.
قوله: «بابُ الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ»كذا ثبتت هذه التَّرجمة في معظم الرِّوايات، وهي متعلِّقة بترجمة آدم وذُرِّيَّته، للإشارة إلى أنَّهم ركبوا مِنَ الأجسام والأرواح.
قوله: «وَقَالَ اللَّيْثُ» وصله المصنَّف في «الأدب المفرد» عن عبد الله بن صالح عنه. قوله: «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ إلخ». قالَ الخطَّابيُّ: يحتمل أنْ يكون إشارة إلى معنى التَّشاكل في الخير والشَّر والصَّلاح والفساد، وأنَّ الخير من النَّاس يحن إلى شكله، والشِّرير نظير ذلك يميلُ إلى نظيره فتعارف الأرواح يقعُ بحسب الطِّباع الَّتي جُبلت عليها مِنْ خير وشر، فإذا اِتَّفقت تعارفت، وإذا اِخْتلفت تناكرت.
ويحتمل أنْ يُراد الإخبار عَنْ بدء الخلق في حال الغيب على ما جاء أنَّ الأرواح خُلقت قبل الأجسام، وكانت تلتقي فتتشاءم، فلمَّا حلَّت بالأجسام تعارفت بالأمر الأوَّل فصار تعارفها وتناكرها على ما سبق مِنَ العهد المتقدِّم.

وقالَ غيره: المراد أنَّ الأرواح أوَّل ما خُلقت خُلقت على قسميْن، ومعنى تقابلها: أنَّ الأجساد الَّتي فيها الأرواح إذا التقت في الدُّنيا اِئْتلفت أو اِخْتلفت على حسب ما خلقت عليه الأرواح في الدُّنيا إلى غير ذلك بالتَّعارف.
قلتُ: ولا يعكر عليه أنَّ بعض المتنافرين ربَّما اِئْتلفا، لأنَّهُ محمولٌ على مبدأ التَّلاقي، فإنه يتعلق بأصل الخلقة بغير سبب. وأمَّا في ثاني الحال: فيكون مكتسبا لتجدد وصف يقتضي الألفة بعد النّفرة كإيمان الكافر وإحسان المسيء.

وقوله: «جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ». أيْ: أجناسٌ مجنسةٌ، أو جموعٌ مجمعةٌ.

قالَ ابن الجوزيُّ: "ويستفاد مِنْ هذا الحديث: أنَّ الإنسان إذا وجد مِنْ نفسه نفرة ممَّن له فضيلة أو صلاح فينبغي أنْ يبحث عَنِ المقتضى لذلك ليسعى في إزالته حتَّى يتخلَّص مِنَ الوصف المذموم، وكذلك القول في عكسه".

وقالَ القرطبيُّ: «الأرواحُ» وإنْ اتَّفقت في كونها أرواحًا لكنَّها تتمايز بأُمور مختلفة تتنوع بها، فتتشاكل أشخاص النَّوع الواحد وتتناسب بسبب ما اِجْتمعت فيه مِنَ المعنى الخاص لذلك النَّوع للمناسبة، ولذلك نُشاهد أشْخاص كلّ نوع تألف نوعها وتنفرّ مِنْ مخالفها. ثمَّ إنَّا نجد بعض أشْخاص النَّوع الواحد يتآلف وبعضها يتنافر، وذلك بحسب الأُمور الَّتي يحصل الاِتِّفاق والاِنْفراد بسببها.اهـ.

([«فتح الباري شرح صحيح البُخاريّ» / (6/ 369، 370)])




وقالَ بدر الدِّين العينيُّ (ت: 855هـ) ـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَىٰ ـ في «عمدة القاري» (23 / 141، 142)":
قَوْله: « الأَرْوَاحُ »، جمعُ روح. وهوَ الَّذي يقومُ بهِ الجسد، ويكون بهِ الحياة.
قَوْله: « جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ »، أيْ: جموعٌ مجتمعةٌ، وأنواعٌ مختلفةٌ.
وقيلَ: أجناسٌ مجنسةٌ، وفي هٰذا دليلٌ علىٰ أنَّ الأرواح ليست بأعراض، فإنَّها كانت موجودةٌ قبلَ الأجساد، وإنَّها تبقىٰ بعد فناء الأجساد، ويؤيِّده أنَّ أرواح الشُّهداء في حواصل طيرٍ خُضرٍ.
قَوْله: «فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا»، تعارفها موافقة صِفاتها الَّتي خلقها اللهُ عليها، وتناسبها في أخلاقها. وقيلَ: لأنَّها خُلقت مجتمعة، ثمَّ فرِّقت في أجسادها فمَنْ وافقَ قسيمه ألّفه ومَنْ باعده نافره.
وقالَ الخطابيُّ: فيه وجهان:
أحَدهما: أنْ يكون إشارة إلىٰ معنىٰ التَّشاكل في الخير والشَّرِّ، وإنَّ الخير مِنَ النَّاس يحن إلىٰ شكله، والشِّرير يميلُ إلىٰ نظيره، والأرواح إنَّما تتعارف بضرائب طباعها الَّتي جُبلت عليها مِنَ الخير والشَّرِّ، فإذا اِتَّفقت الأشكال تعارفت وتألفت، وإذا اِخْتلفت تنافرت وتناكرت.
والآخَر: أنَّهُ رُويَ أنَّ اللهَ تَعَالَىٰ خلقَ الأرواح قبل الأجساد، وكانت تلتقي، فلمَّا التُسبت بالأجساد تعارفت بالذّكر الأوَّل، فصار كلُّ واحدٍ منها إنَّما يعرف وينكر علىٰ ما سبقَ لهُ مِنَ العهد المتقدّم.
وقالَ القرطبيُّ: إذا وجدَ أحدٌ مِنْ نفسه نفرةً ممَّن لهُ فضيلة، أو صلاح، يُفتّش عَنِ الموجب لها، فإنَّهُ ينكشف لهُ، فيتعيَّن عليه أنْ يسعىٰ في إزالة ذٰلك حتَّى يتخلَّص مِنْ ذٰلك الوصْف المذموم، وكذٰلك القول إذا وجد في نفسه ميلاً إلىٰ مَنْ فيه شرٌّ وشبهةٌ وشاعَ في كلام النَّاس قولهم المناسبة تؤلّف بين الأشخاص، والشَّخص يؤلّف بين شكله، ولما نزلَ عليِّ بْن أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىٰ عَنْهُ الكوفةَ قالَ: «يا أهل الكوفة! قد علمنا خيركم مِنْ شريركم». فقالوا: لم ذٰلك؟ قالَ: «كانَ معنا ناسٌ مِنَ الأخيار فنزلوا عند ناسٍ فعلمنا أنَّهم مِنَ الأخيار، وكانَ معنا ناسٌ مِنَ الأشرار فنزلوا عند ناسٍ فعلمنا أنَّهم مِنَ الأشرار».
وكانَ كمَا قالَ الشَّاعر: عَنِ المَرءِ لَا تَسْئل وسَلْ عَنْ قرينهُ °° فكُلّ قَرينٍ بالمقَارن يَقْتدي.اهـ.

([«عمدة القاري شرح صحيح البخاري» (23 / 141، 142)])


•°•¤ منْهاجنَا كلِمَةٌ تُكتب بمَاء الذَّهب


° قالَ الإمام المُحدِّث/ محمَّد ناصر الدِّين الألبانيّ (ت: 1420هـ) -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: "منهاجنا كلمةٌ تُكتب بماء الذَّهب، رُويت عن الإمام مالك -رَحِمَهُ اللهُ-: «مَنْ اِبْتدعَ فِي الإِسْلام بِدْعةً يَراها حسنةً؛ فقد زَعَمَ أنَّ مُحمَّدًا خانَ الرَّسالة؛ لأنَّ اللهَ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴿المائدة: 3، وقالَ: «لَنْ يُصلح آخر هذه الأمَّة إلاَّ بما صَلُحَ به أوَّلها»".اهـ. ([«الهُدى والنّور» / ش: (10/1) بتصرّف])


•°•¤ أَرْشِيف الْمُـدَونَة الإلْكتُرونِيَّة

•°•¤ الطَّريقُ واحدٌ

•°•¤ بَحْثُ هَـٰذِهِ الْمُدوَنَةِ الْإِلِكْترونِـيَّة

جارٍ التحميل...